ابو القاسم عبد الكريم القشيري

603

لطائف الإشارات

ويقال شهادة الأعضاء في القيامة مؤجّلة ، وشهادتها في المحبة اليوم معجّلة ؛ من صفرة الوجه إذا بدا المحبوب ، وشحوب اللون ، ونحافة الجسم ، وانسكاب الدموع ، وخفقان القلب ، وغير ذلك . قوله جل ذكره : [ سورة النور ( 24 ) : آية 25 ] يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ ( 25 ) يجازيهم على قدر استحقاقهم ؛ للعابدين بالجنان والمثوبة على توفية أعمالهم ، وللعارفين بالوصلة والقربة على تصفية أحوالهم ؛ فهؤلاء لهم علوّ الدرجات ، وهؤلاء لهم الأنس بعزيز المشاهدات ودوام المناجاة . « وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ » : فتصير المعرفة ضرورية ؛ فيجدون المعافاة من النّظر وتذكّره ، ويستريح القلب من وصفي تردّده وتغيّره : ( لاستغنائه ببصائره عن تبصّره ) « 1 » . ويقال لا يشهدون غدا إلا الحقّ ؛ فهم قائمون بالحق للحق مع الحق ، يبيّن لهم أسرار التوحيد وحقائقه ، ويكون القائم عنهم ، والآخذ لهم منهم من غير أن يردّهم إليهم . قوله جل ذكره : [ سورة النور ( 24 ) : آية 26 ] الْخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثاتِ وَالطَّيِّباتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّباتِ أُولئِكَ مُبَرَّؤُنَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ( 26 ) « الْخَبِيثاتُ » : من الأعمال وهي المحظورات « لِلْخَبِيثِينَ » : من الرجال المؤثرين لها طوعا ، والذين يجنحون إلى مثل تلك الأعمال فهم لها ، كلّ مربوط بما يليق به ؛ فالفعل لائق بفاعله ، والفاعل بفعله في الطهارة والقذارة ، والنفاسة والخساسة ، والشرف والسّرف . ويقال « الْخَبِيثاتُ » : من الأحوال ؛ وهي الحظوظ والمني والشهوات لأصحابها والساعين لها . والساعون لمثلها لها ، غير ممنوع أحدهما من صاحبه ، فالصفة للموصوف ملازمة ، والموصوف لصفته ملازم .

--> ( 1 ) هكذا في النسختين ، ويكون مراد القشيري أنه لم يعد مجال للتبصر فقد أصبح الشهود عيانا ، وتحققت لهم الرؤية البصرية التي لم ينالوها في الدنيا ، ونفهم أن القشيري لا يرى الرؤية العيانية إلا في الآخرة .